تحول عداد الكهرباء الرقمي وكروت الشحن في مصر من أداة تنظيمية بسيطة إلى مصدر قلق يومي يترقبه رب الأسرة، إذ يعكس تآكل الطبقة المتوسطة ومعاناتها تحت وطأة التضخم المستمر.
وجاءت هذه الأزمة نتيجة مسار تصاعدي لخطة رفع الدعم وزيادة شرائح الاستهلاك المتتالية، وصولًا إلى القفزة الأخيرة بنسبة 12%، مما ضاعف قيمة الفواتير، وجعل الأسر توازن بصعوبة شديدة بين توفير ثمن الكيلووات/ساعة وتأمين لقمة العيش.
وشهدت أسعار شرائح الكهرباء المنزلية في مصر زيادات تراوحت بين 14% وتجاوزت 120% خلال الفترة من يوليو 2021 إلى أغسطس 2026، مما أدى إلى رفع تكلفة الكيلووات/ساعة لمختلف الشرائح.
وتشير البيانات إلى أن الشرائح المتوسطة والعليا شهدت أعلى نسب الارتفاع، مع تثبيت سعر الشريحة الأولى الأقل استهلاكًا.
أسباب تحمل المواطن تكلفة الغاز المستورد رغم فائض القدرات
أوضح خبير الطاقة، عامر الشوبكي، أن الوضع المصري معقد، ولا يجوز اختزاله في وجود فائض أو عجز، إذ تمتلك مصر قدرات توليد تبلغ نحو 60 جيجاوات (أو 59.7 جيجاوات)، مقابل طلب أقصى لا يتجاوز 39 جيجاوات، مما يعني وجود فائض اسمي يتجاوز 20 جيجاوات.
وأشار خبير الطاقة، عامر الشوبكي، إلى أن فائض المحطات لا يعني فائضًا في الكهرباء، فالقدرة شيء، وإنتاج الطاقة يحتاج إلى وقود، حيث يشكل الغاز نحو 84% من وقود محطات التوليد في مصر.
وبيّن عامر الشوبكي، في تصريحات خاصة لـ”القصة”، أن المشكلة تكمن في استثمار مصر بقوة في المحطات، ثم تراجع إنتاجها المحلي من الغاز، مما اضطرها إلى العودة لاستيراد الغاز المسال مرتفع التكلفة.
وأضاف خبير الطاقة، عامر الشوبكي، أن المواطن بات يتحمل تكلفة منظومة مزدوجة تشمل تكلفة المحطات التي تفوق الاحتياج الفعلي، إلى جانب ثمن الوقود المستورد بالدولار لتشغيل جزء من هذه المنظومة.
حجم الفاقد الحقيقي في شبكات الكهرباء المصرية
كما أشار “الشوبكي” إلى أن الأرقام الرسمية لنسب الفاقد في مصر ليست موحدة تمامًا، مبينًا أن النطاق الأقرب إلى الواقع يتراوح بين 18% و20%، وربما أكثر، كفاقد إجمالي.
وفي المقابل، ذكر خبير الطاقة، عامر الشوبكي، أن أحدث تصريح لوزارة الكهرباء يشير إلى نسبة تقل عن 18%، مقسمة إلى 7% فاقد فني، والباقي يمثل سرقات أو ما يُعرف بالفاقد غير الفني.
وأوضح أن بيانات الشركة تُظهر فارقًا يقارب 35 مليار كيلووات/ساعة، بما يعادل نحو 20% من الكهرباء المشتراة والمباعة للمشتركين، يتم تحميله على بند الخسائر.
وأكد خبير الطاقة، عامر الشوبكي، أن الخسائر المالية المعلنة لسرقات التيار تتجاوز 22 مليار جنيه، وهو رقم ضخم، لكنه لا يغطي سوى جزء بسيط من فجوة التكلفة الإجمالية التي تقدرها الحكومة بنحو 100 مليار جنيه سنويًا.
تأثير العدادات مسبقة الدفع على قطاع الكهرباء
وأشار “الشوبكي” إلى أن التوسع في العدادات مسبقة الدفع حقق فوائد واضحة لقطاع الكهرباء، حيث يوجد نحو 20 مليون عداد مسبق الدفع من أصل 45 مليون عداد، بما يمثل نحو 44% من إجمالي العدادات.
وأوضح خبير الطاقة، عامر الشوبكي، أن هذا التوسع نقل جزءًا كبيرًا من التحصيل إلى مرحلة ما قبل الاستهلاك، وقلل المتأخرات، وأخطاء قراءة الفواتير، ومصاريف التحصيل، والمنازعات مع المشتركين.
ورغم هذه المزايا، لفت خبير الطاقة، عامر الشوبكي، إلى عدم وجود بيانات دقيقة ومنشورة توضح، بالجنيه، مقدار الوفر الذي حققته هذه العدادات، أو حجم انخفاض المتأخرات وتكاليف التحصيل بسببها.
وأكد “الشوبكي” أن العدادات مسبقة الدفع لا تخفض تكلفة إنتاج الطاقة ولا سعر الغاز المستورد، بل تضمن تحصيل ثمنها مقدمًا فقط، مشددًا على أن الحل يكمن في الانتقال إلى عدادات ذكية متصلة فعليًا بالشبكة، وتعكس الشفافية الحقيقية في المنظومة.
مبررات وتداعيات زيادة أسعار الكهرباء بنسبة 12%
في المقابل، أوضح الدكتور رشاد عبده، الخبير الاقتصادي، أن الدولة ما زالت تدعم الطاقة، وبالتالي تقلص نسبة الدعم مع استمرار وجوده، حتى بعد زيادة الأسعار بناءً على طلب صندوق النقد الدولي، مشيرًا إلى أن ذلك يؤثر في المواطنين من خلال تقليل الدخل الحقيقي، وزيادة معاناتهم، وتراجع جودة الحياة، بينما ترى الحكومة أن الأيام المقبلة ستشهد تحسنًا لمن يتحملون هذه المرحلة.
كما أشار رشاد عبده، في تصريحات خاصة لـ”القصة”، إلى أن علاقة زيادة أسعار الكهرباء الأخيرة بنسبة 12% بشروط صندوق النقد الدولي تمثل انعكاسًا مباشرًا لمطالبة الصندوق بإلغاء دعم الطاقة كليًا.
عجز هيكلة إدارة مديونيات قطاع الكهرباء
كما فسر أن الأمر يعود إلى عجز الإدارة عن تدبير هذه المسألة، وتحميل الفروق للمواطن، فضلًا عن رفع أسعار الطاقة جزئيًا وفقًا للأسعار العالمية وسعر الدولار، مما أدى إلى تراجع قيمة الجنيه المصري، وتحميل المواطنين مزيدًا من الأعباء.
التبعات غير المباشرة على أسعار السلع والخدمات
واختتم رشاد عبده بأن تحمل المحلات والمشروعات الصغيرة تكلفة التشغيل الإضافية يؤدي إلى نقلها إلى المستهلك النهائي، مما يتسبب في أعباء مالية كبيرة على المستهلك، وقد يحول بعض المشروعات من الربحية إلى الخسارة بسبب ارتفاع التكاليف، وانعكاسها على أسعار السلع والخدمات.