لا يحتاج الشعب المصري إلى خبراء يدلونه على مصالحه، ولا إلى كشافين يخبروننا بالذين يعيشون بيننا وينطقون بلسان عدونا، والدفاع عن مصالحه. كما لا يحتاج إلى سرديات تؤكد له حقائق وحدود الأمن القومي المصري والعربي، ولا إلى بيانات للرد على سفهاء لا يراهم ولا يطالونه، مهما ألم بنا من محن وهموم وأزمات.
إنه المواطن المصري، ابن الحضارة الطويلة، الذي وطن نفسه على التفرقة بين حدود والتزامات السلطة، ومقتضيات ورحابة موقف الشعوب. الضمير والوعي الجمعي للشعب المصري هو الذي أمات “كامب ديفيد” الرسمية، ودفن كل محاولات التطبيع الشعبي مع الكيان الصهيوني منذ عقود طويلة.
الجهاز المناعي لهذا الشعب، الذي تكونت منصاته الدفاعية عبر خبرات تراكمت منذ مئات السنين، جعلته يعرف كيف يتصدى لفيروسات الأعداء والمتربصين، ويفك شفرة حيلهم. وهو الذي كون عقيدته وعقيدة جنده على أن العدو الرئيس هو القابع على بوابته الشرقية، وأن دماء الشهداء من أبنائه الأبطال في كثير من معارك الشرف والدفاع عن الوطن لم تجف بعد، رغم أوهام السلام.
موقفه من حرب الإبادة على غزة – رغم محاولات البعض لخلط الأوراق – كانت جلية ودون تردد، وخلالها ولدت أجيال جديدة، انضمت لمن سبقوهم، وصاغت مشاعرها ومواقفها التي لحقت و لحمت في مسيرة طويلة من المواجهة والمقاومة.
وفي الحرب الأمريكية الصهيونية المجنونة والعدوان على إيران، لم يكن في حاجة إلى الدليل الذكي ليحدد موقفه أو موقعه. ولم يشمت لحظة في بعض الدول العربية التي طالها الأذى من النيران، لأنها تضم شعوبًا شقيقة وأخوة وأبناء، ولكنها أدركت أننا جميعًا في قلب هذا الخطر، ونحن جميعًا أيضًا من نقوم بتسديد الفواتير.
لقد أدرك منذ الوهلة الأولى أن أصل الحكاية وأصل المشكلة هو العدوان الأمريكي الإسرائيلي، وأن أهداف الخطط الأمريكية حماية مصالحها في الهيمنة على مصادر الطاقة، وعلى قاعدتها الكبرى دولة الكيان الصهيوني، التي تريدها وحدها شرطي المنطقة والقوة الإقليمية المهيمنة والمسيطرة والحامية لمصالحها، والمستنزفة لموارد المنطقة وطاقاتها.
لقد كشف لنا هذا العدوان الأمريكي الإسرائيلي بكل تداعياته، بصورة جلية، أن مصر المحاصرة بالنيران من على كل حدودها، يتهددها بعض الخطر من الداخل أيضًا.
نحن نحتاج إلى المصارحة والمصالحة، ولم الشمل، واتساع الصدور، ومشاركة الجميع في تحمل المسئولية، ومعالجة بعض مظاهر الخطر الذي بدأت تطفح في صورة أبواق لا تنطق إلا بمصالح أعدائنا، بل وارتبطت مصالحها به، وتستنكر موقف الشعب، وتتعجب من فشل محاولاتها المستميتة في تضليله، وباتت تتعالى عليه، وتصفه بالتخلف والجري وراء أصحاب الشعارات، لأنه لا يحيد عن الإشارة إلى عدوه الحقيقي، وأنه يكشفهم، وأنهم أمامه مفضوحين وعراة، لا تسترهم الملابس المستوردة، وفصاحة اللسان، وألاعيب الحواة.
والمؤسف والمحزن أن هناك غيرهم ممن يسيطرون على كثير من منصات التعبير والتأثير، باعتبارهم خبراء ومطلعين ونافذين وأصحاب مواقع ووجهات نظر ورجال مال وأعمال، والذين لا يرون في كل ما يحدث إلا ما صادف هواهم ومصالحهم وارتباطاتهم، بعيدًا عن ضمائر الناس وبوصلتهم أو مصالح الأوطان.
مصر الشعب والموقع الجغرافي والتاريخ والحضارة والمكانة والدور، رغم كل ما تعرضت له على مدى عقود ماضية، إلا أنها لا يمكن أن تكون خارج معادلة الاستهداف والترتيبات التي يتم تدبيرها علنًا وليس في الخفاء، وما كانت تسطره وتعده دراسات مراكز أبحاثهم وتسربه الوثائق أصبحت تصريحات علنية لقادة ودبلوماسيين!
ساعات الخطر لا تحل فجأة ولا تهبط من السماء، بل نحن نعيشها بالفعل، ولابد أن نتدبر أمورنا ونعيد ترتيب أولوياتنا، ونعلم أن تماسك جبهتنا الداخلية ليست مجرد شعار، بل هي المقدمة الأولى لانتصار أي جيش إذا فرضت عليك الحرب.
نحن في لحظة الحقيقة، إما أن نتصارح ونواجه أنفسنا، وإما الطوفان.