لم يعد السؤال المطروح اليوم هو متى تنتهي الحروب، بل كيف سيبدو العالم بعد انتهائها، فالصراعات الكبرى لم تعد تقتصر آثارها على ساحات القتال، وإنما تمتد لتُعيد رسم خرائط النفوذ، وتُغير طبيعة التحالفات، وتفرض قواعد جديدة تحكم العلاقات بين الدول، وفي ظل التصعيد الذي يشهده العالم، تتجه الأنظار إلى مستقبل النظام الدولي، وسط مؤشرات متزايدة على أن مرحلة جديدة تتشكل، عنوانها إعادة توزيع موازين القوة وصعود أقطاب دولية جديدة، بما يفتح الباب أمام تحولات استراتيجية غير مسبوقة.
الحروب تعيد رسم خريطة العلاقات الدولية
في هذا السياق قال الدكتور طارق البرديسي أستاذ العلوم السياسيى والعلاقات الدولية إن الحروب لا تنتهي بمجرد توقف العمليات العسكرية، بل تترك آثارًا ممتدة على العلاقات الدولية، إذ تتغير الرؤى السياسية والمواقف الاستراتيجية ونظرة الدول إلى مصالحها وأولوياتها.
وأوضح أن الحرب ليست مجرد استخدام للأسلحة والقوة العسكرية، وإنما تمثل “زلزالًا” يعيد تشكيل البيئة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، ويقلب موازين القوى والتحالفات رأسًا على عقب، الأمر الذي يجعل من الصعب عودة العلاقات الدولية إلى ما كانت عليه قبل اندلاع الصراعات.
التحالفات الجديدة… من الأمن إلى الاقتصاد والتكنولوجيا
وأشار البرديسي إلى أن التحالفات التي تنشأ خلال الحروب غالبًا ما تستمر بعد انتهائها، لكنها قد تتغير في طبيعتها وأهدافها، فقد تتحول التحالفات العسكرية إلى شراكات اقتصادية أو سياسية، أو تتجه نحو التعاون في مجالات التكنولوجيا والاتصالات وتبادل المعلومات الأمنيه والأستخباراتية، مضيفا أن مخرجات أي حرب ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمعطياتها، وهو ما يجعل إعادة تشكيل التحالفات أمرًا طبيعيًا في مرحلة ما بعد الصراعات.
العالم يقترب من نظام متعدد الأقطاب
وأكد أستاذ العلوم السياسيىة أن العالم يسير بخطى متسارعة نحو نظام دولي متعدد الأقطاب، إلا أن اكتمال هذا التحول يظل مرهونًا بانتهاء الصراعات الكبرى، وفي مقدمتها الحرب الروسية الأوكرانية، والتوتر بين الولايات المتحدة وإيران، إضافة إلى المنافسة المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين بشأن تايوان.
وأوضح أن الصين وروسيا وإيران تمثل مراكز قوة صاعدة، في مقابل الولايات المتحدة وحلفائها، بينما لا تزال الدول الأوروبية تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع واشنطن رغم وجود تباينات مع سياسات الإدارة الأمريكية الحالية، معتبرًا أن العالم يعيش مرحلة انتقالية تسبق ولادة نظام دولي جديد متعدد الأقطاب.
الأمن الاقتصادي والغذائي يقودان المرحلة المقبلة
واختتم البرديسي بالتأكيد على أن أكبر التحولات المقبلة ستكون في السياسات الاقتصادية والاستراتيجية للدول، حتى إذا توقفت الحروب.
وأوضح أن الحكومات باتت تركز على تأمين سلاسل الإمداد، وتعزيز الأمن الغذائي، وحماية الموارد الاستراتيجية، والسعي للسيطرة على المعادن النادرة والرقائق الإلكترونية، إلى جانب تعزيز القدرات التكنولوجية والاستخباراتية.
وأضاف أن مفهوم العولمة التقليدي يتعرض لتحديات متزايدة، في ظل اتجاه الدول إلى الاعتماد على الذات وتأمين احتياجاتها الحيوية، مؤكدًا أن اقتصاد المعرفة والتكنولوجيا سيصبحان الركيزة الأساسية للقوة والنفوذ في النظام الدولي خلال السنوات المقبلة