منذ أن بدأ الحديث عن تعديل قانون الإيجار القديم، والشارع المصري يعيش حالة من الانقسام الحاد بين مؤيد ومعارض، بين مالك يرى أنه حُرم من حقوقه لعقود طويلة، ومستأجر يخشى أن يفقد مأواه الوحيد في ظل ظروف اقتصادية خانقة.
لكن في خضم هذا الجدل، غابت الرؤية الشاملة التي توازن بين الحقوق وتراعي الواقع الاجتماعي، فبات القانون في صورته الجديدة أشبه بـ”قلم على وجه عشرات الآلاف” من المواطنين الذين لم يجنوا سوى الخوف والتهديد والتشتت.
وجع الملاك لا يُنكر.. لكن الحل ليس بالتجريف
نعم، هناك ظلم تاريخي وقع على الملاك، آلاف الوحدات المؤجرة ما زالت تُدفع إيجاراتها بجنيهات معدودة منذ عشرات السنين، في حين تضاعفت الأسعار مئات المرات، المالك الذي لا يحصل سوى على 20 أو 30 جنيهًا شهريًا عن شقة في وسط القاهرة يشعر بالمرارة وهو يرى آخرين يستفيدون من عقاره بلا مقابل حقيقي. هذا بخلاف عشرات الوحدات المغلقة المهجورة التي لا يستفيد منها المالك، لكن الحل العادل لا يكون بتجريف الطرف الآخر من حقه في الحياة.
القانون في صورته الحالية يُعيد للملاك جزءًا من حقوقهم لكنه في المقابل يقتلع الأمن والسكن من حياة المستأجرين، وغالبيتهم من كبار السن، الأرامل، المطلقات، وأصحاب المعاشات الذين لا يملكون بديلاً ولا دخلًا يسمح لهم بالانتقال إلى سكن جديد. فهل يمكن أن يُبنى العدل على أنقاض الضعفاء؟
تهديد السلم المجتمعي
العدالة لا تتحقق بإلقاء مئات الآلاف في الشوارع. ما يجري الآن يشكل تهديدًا مباشرًا للسلم المجتمعي، حين تُطرد أسرة من منزلها الذي عاشت فيه أربعين أو خمسين عامًا وربما أكثر، فإنك لا تهدم جدرانًا فقط، بل تهدم ذاكرة وأمانًا وارتباطًا بالمكان.
هؤلاء الناس، الذين طالما اعتبروا بيوتهم جزءًا من هويتهم، يجدون أنفسهم فجأة في مواجهة المجهول، بينما المالك يشعر بأنه لا يُنصف إلا بعد أن يُخرِج المستأجر بالقوة.
القانون بهذا الشكل يفتح باب الكراهية بين فئات الشعب، ويفتح باب للتسلط والسيطرة خاصة على الضعفاء سواء كانوا مستأجرين أو مؤجرين، فبدلًا من أن يُعيد التوازن بين المالك والمستأجر، خلق عداوة صريحة بين الجانبين: المالك يرى المستأجر مغتصبًا لعقاره، والمستأجر يرى المالك متغولًا يريد تشريده.
وفي النهاية، يدفع المجتمع الثمن من استقراره وتماسكه.
أين العدالة الاجتماعية؟
أي تشريع لا يراعي العدالة الاجتماعية ولا يضع في اعتباره الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي يعيشها ملايين المصريين هو تشريع يهدد لا يُصلح.
كيف يُطالَب الناس بإخلاء بيوتهم بعد سبع سنوات، وكأنهم أرقام في قانون، لا أرواح لها ولا وجع؟ لا قيمة لها ولا حق في السكن والاستقرار؟! في ظل عهد من أشد العهود ضيقة اقتصاديًا ومشاكل اجتماعية طاحنة يأتي رفع السقف عن مئات الألاف من الأسر كالقشة التي -ستقصم- ظهر بعير.
كيف يُسنّ تشريع لا يرى الطبقة الوسطى والفقيرة التي سُحقت تحت وطأة الفقر ورفع الدعم والغلاء لعقدٍ كامل؟ لقد رُفع عنهم الستر حين عجزوا عن مجاراة الأسعار، وها هو القانون اليوم يرفع عنهم حتى سقف البيت!
كيف تُعامل أرملة أو صاحب معاش ضئيل كأنه مستثمر يحتل عقارًا؟
إن مئات الآلاف من الأسر تعتمد على هذا السكن القديم كآخر ما تبقّى من استقرارها.
طردهم يعني ببساطة فتح باب الفوضى والتشرد والبطالة والانهيار الأسري، خاصة في ظل غياب مظلة حقيقية للحماية الاجتماعية.
لا يمكن تجاهل أزمة الشباب أيضًا
الأزمة لا تقتصر على كبار السن. فملايين الشباب في مصر اليوم لا يستطيعون الزواج بسبب غلاء الشقق والإيجارات. ومع هذا القانون، يصبح من المستحيل على هؤلاء أن يجدوا فرصة عادلة للسكن أو لتأسيس أسرة جديدة.
فحين ترتفع الإيجارات إلى مستويات خيالية دون ضوابط، يصبح الاستقرار الاجتماعي نفسه رفاهية لا يملكها إلا القادرون.
هل يمكن لدولة تبحث عن استقرار أن تغلق الأبواب في وجه شبابها بهذا الشكل؟
بين حقوق الملاك ومسؤولية الدولة
نعم، للملاك حقوق مشروعة، ويجب استرداد الوحدات المغلقة منذ سنوات بلا استخدام، ووضع إيجار عادل يتناسب مع قيمة المكان والزمان.
لكن يجب في المقابل أن تكون هناك مسؤولية واضحة على الدولة تجاه المستأجرين القدامى، خصوصًا الفئات الضعيفة.
يمكن – على سبيل المثال – إنشاء صندوق دعم سكني للمستأجرين غير القادرين على دفع الإيجار الحديث، وإلغاء المادة الخاصة بالطرد تمامًا، القضية لا تُحل بقرارات فوقية أو بحسابات مالية بحتة، بل برؤية متوازنة تضع الإنسان في صميم الحل. خاصة الإنسان الذي لا يملك المال، فقد اصبحنا نحيا في دولة لا تراعي إلا أصحاب الأموال!
القانون بين النظرية والتطبيق
التشريعات لا تُقاس بنصوصها فقط، بل بآثارها الواقعية.
قانون الإيجار القديم في صورته الحالية قد يبدو للبعض خاصة المنتفعين منه عادلاً على الورق، لكنه على أرض الواقع ينتج ظلماً مركباً. ويدق ناقوس خطر حقيقي.
فبينما يتحدث البعض عن استرداد الحقوق، نجد في المقابل مئات القصص لمسنين مرضى مهددين بالطرد، ولنساء يعشن وحدهن بعد وفاة أزواجهن بلا مأوى ولا مورد.
القانون لم يميز بين من يملك عقارات أخرى ومن لا يملك سوى هذا السكن، ولم يضع آلية لضمان عدم استغلاله في الطمع أو المضاربة العقارية. قانون وضعته دولة تبني مئات الشقق لكن بأسعار خياليه لا يملكها إلا فئة معينة، وهي نفس الدولة التي لا تضع حدا للإيجارات ولا ضوابط. هي نفس الدولة الآن التي تهدد مئات البشر بالتشريد والطرد.
العدالة الحقيقية لا تعرف طرفًا واحدًا
العدالة الحقيقية هي التي توازن بين حق المالك في ملكه وحق المستأجر في السكن الكريم.
نعم، يجب استرداد الوحدات المغلقة والمستغلة بشكل غير قانوني، ويجب وضع قيمة إيجارية عادلة تراعي التضخم ومتوسط الدخل، لكن دون تحويل القانون إلى أداة للانتقام الطبقي أو الإقصاء الاجتماعي.
فحين يشعر الناس أن القانون لا يحميهم بل يطاردهم، يتحول احترامهم له إلى رفضٍ صامت أو مقاومة مفتوحة — وهذا هو الخطر الأكبر على الأمن والاستقرار.
ختامًا
قانون الإيجار القديم في شكله الحالي لا يحقق الإصلاح، بل يُعيد إنتاج الظلم في صورة جديدة.
القضية ليست فقط بين مالك ومستأجر، بل بين دولة ومجتمع، بين العدالة والاستقرار.
إذا لم يتم تعديل هذا القانون وإلغاء مادة الطرد بروحٍ إنسانية تراعي الواقع، فقد نجد أنفسنا أمام انفجار اجتماعي صامت، يتحول مع الوقت إلى غضب لا يمكن احتواؤه.
فما نحتاجه ليس قانونًا يُرضي طرفًا على حساب آخر، بل قانونًا يعيد الثقة بين الناس ويصون كرامتهم جميعًا.
لأن العدالة، حين تفقد إنسانيتها، تتحول إلى ظلمٍ من نوعٍ آخر.