تحت سماء لا تتوقف عن تنفس الدخان، وفوق أرض نبشت أمعاؤها بالصواريخ وتراكم فوقها ركام البيوت، لم ينكسر ساق نبات ولا ساد اليأس هنا، في الطرف الغربي لحي الزيتون بمدينة غزة، يخوض المزارعون معركة من نوع آخر، معركة يستخدم فيها المجل بدلاً من البندقية، وتنبت فيها الحياة قسراً من قلب الدمار والخراب الممتد.
الحصاد في زمن المجاعة
لم تكن الفلاحة يوماً مجرد مهنة في حي الزيتون، لكنها اليوم أضحت شريان الحياة الوحيد والملاذ الأخير لمواجهة الحصار الخانق والمجاعة التي تفتك بأمعاء الآلاف بين الحفر العمومية التي أحدثتها القذائف، وعلى بعد أمتار قليلة من خطوط الخطر وآليات الاحتلال، ينسل المزارعون مع ساعات الفجر الأولى لتفقد ما أنبتته أيديهم.
يطأون الأرض بأقدام ثابتة، يزيحون الشظايا الجافة عن أوراق الخضار الغضة، ويجمعون حصادهم اليومي بملامح يمتزج فيها تعب السنين بعزة النفس إنها لقمة عيش لم تقطف براحة، بل جنيت تحت أنظار المسيرات وعلى وقع الانفجارات القريبة، لتصل إلى موائد أطفال أضناهم الجوع والانتظار.
التراب يعرف أهله
في قلب هذه الرقعة الخضراء الصامدة وسط الرماد، يروي المزارع أبو محمد 52 عاما لـ “القصة” حكايته مع هذه الأرض التي رفض أن يتركها رغم القصف المستمر:”هذه الأرض أصلنا وعرضنا، جرفها الاحتلال ثلاث مرات، وفي كل مرة كانت الآليات تنسحب، نعود ونغرس شتالنا من جديد نعمل هنا وأرواحنا على أكفنا الطائرات المسيرة فوق رؤوسنا، وأصوات القذائف لا تتوقف، لكن الجوع كافر وأطفالنا يستحقون أن يجدوا ما يسد رمقهم.
مضيفا أنه قبل أسبوع استشهد جاري وهو يسقي شتلات البندورة هنا، ورغم الألم عدنا اليوم لنحصد الأرض التي رويت بدمه كل حبة طماطم أو خيار نخرجها اليوم من غرب حي الزيتون ليست مجرد طعام، بل هي رسالة للعالم بأن غزة ترفض الموت جوعاً، وأن هذا التراب سيبقى ينبت حياة طالما فينا عرق ينبض.
تراب يعاند البارود.. وصمود يخلق الأمل
الحصاد هنا ليس مجرد عملية زراعية أو مصدر دخل محدود، بل هو إعلان صريح بأن جغرافيا الخراب لن تستطيع إلغاء جغرافيا الحياة الثمار التي تحصد اليوم وتصل إلى أسواق غزة الشحيحة بأسعار رمزية، تغزل حكايتها بدموع الأمهات وصبر الفلاحين الذين يرفضون رفع الراية البيضاء أو انتظار المساعدات الشحيحة عبر المعابر المغلقة.
- يقدم مزارعو حي الزيتون نموذجا حيا ومجددا للصمود الفلسطيني حيث تتحول سلة الخضار الصغيرة إلى حصن إنساني يكسر حدة المجاعة، ويثبت أن أرض غزة رغم كل البارود الذي صب فيها لا تزال قادرة على الهبات والإثمار، متى ما وجدت أيدي تؤمن بأن الحياة حق ينتزع ولا يستجدى.