شهد البيت الأبيض الأسبوع الماضي اللقاء الثامن من نوعه بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو منذ بدء الولاية الثانية لترامب، وهو معدل لقاءات غير مسبوق عالمياً، حيث يلتقي الرجلان بمعدل مرة كل شهرين تقريباً.
ورغم هذا الزخم الظاهري، إلا أن المشاهد والكواليس التي أحاطت بالزيارة كشفت عن غيوم كثيفة تخيم على سماء العلاقات الأميركية الإسرائيلية، وتطرح تساؤلات حاسمة حول مستقبل التحالف الشرير بين الطرفين.
بروتوكولات جافة وتجاهل إعلامي يفضحهما دخول “الباب الجانبي”
قال الدكتور حسن نافعة، استاذ العلوم السياسية في حديثه لـ”القصة”، إن الدلالات البروتوكولية لهذه الزيارة اختلفت شكلاً ومضموناً عن كافة الاستقبالات السابقة، مؤكداً أن نتنياهو لم يدلف إلى البيت الأبيض هذه المرة من بوابته الرئيسية، ولم يكن ترامب في انتظاره كما جرت العادة.
وأوضح نافعة أن نتنياهو أُدخل من “باب جانبي” ليلتقي بالرئيس الأميركي لمدة 80 دقيقة فقط بعيداً عن الكاميرات وعدسات وسائل الإعلام التي حُرِمَت من حضور الاستقبال، مشيراً إلى أن التسريبات الصحفية كشفت أن البيت الأبيض تعمد إهمال طلبات نتنياهو المكررة لعقد اللقاء، ولولا الوفاة المفاجئة للسيناتور ليندسي غراهام واستغلال نتنياهو فرصة المشاركة في التشييع لما عقد هذا الاجتماع بالأساس.
كيف ورط نتنياهو ترامب في “حرب الاستنزاف” مع طهران؟
وأكد حسن نافعة أن جذور الأزمة المكتومة تعود إلى تقارير استقصائية نشرتها صحف أميركية كبرى مثل “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست” و”وول ستريت جورنال”، والشرارة التي اندلعت قبل شن الهجوم على إيران في 28 فبراير الماضي.
وأضاف المفكر السياسي تفاصيل هذا المأزق في النقاط التالية:
المعلومات المضللة: قدم نتنياهو في غرفة عمليات البيت الأبيض معلومات تؤكد أن النظام الإيراني بات هشاً وسيتحلل سريعاً عبر عملية خاطفة ولن تستغرق سوى أيام، مما فتح الطريق لتوريط ترامب في قرار الموافقة على الحرب.
تحول الخاطفة إلى استنزاف: تسببت الحرب في مأزق استراتيجي للولايات المتحدة وحلفائها من دول الخليج بعد تحولها للعبة استنزاف مفتوحة، مما ولد غضباً عارماً لدى ترامب انعكس في اتصالاته الهاتفية التي تضمنت عبارات حادة وبذيئة ضد نتنياهو.
هجوم فانس الشرس: تجلى التوتر في تصريحات غير مسبوقة لنائب الرئيس الأميركي “جي دي فانس”، والذي وجه انتقادات لاذعة لنتنياهو واتهمه مباشرة بتعمد الإضرار بالمصلاح الأمنية والسياسية للولايات المتحدة.
وحول إمكانية حدوث انكسار كلي في العلاقات، قال نافعة إنه ينبغي التعامل بحذر مع الفجوات الحالية، مؤكداً أن النمط التقليدي للعلاقة بين واشنطن وتل أبيب أثبت تاريخياً أنه كلما ظهرت فجوة مصالح وكان الموقف يتطلب ضغطاً أميركياً على إسرائيل، كانت واشنطن هي من تتراجع في النهاية.
وأوضح نافعة أنه باستثناء تجربة الرئيس أيزنهاور الذي أجبر إسرائيل على الانسحاب من سيناء عام 1956، نجحت تل أبيب دائماً في الالتفاف على الضغوط الأميركية كما حدث عقب مؤتمر مدريد 1991، وكما يفعل نتنياهو حالياً بتعطيل خطة ترامب لإنهاء الحرب في غزة ذات الـ 20 بنداً، ومواصلة حرب الإبادة والتجويع رغم إعلانه الشكلي الموافقة عليها.
وأشار نافعة إلى أن “قابلية التصديق” الأيديولوجية لدى ترامب ورغبته الحارقة في إسقاط النظام الإيراني هما اللذان دفعاه لابتلاع الطعم والتورط، مستبعداً وجود خلافات على الأهداف الاستراتيجية (كنزع سلاح المقاومة ومنع الدولة الفلسطينية)، ومؤكداً أن الخلاف محصور في الوسائل والتوقيتات:
مصلحة نتنياهو: بقاء الحروب مشتعلة في كافة الجبهات لضمان نجاحه في الانتخابات التشريعية التونسية والإسرائيلية المقبلة.
مصلحة ترامب: تهدئة الأوضاع الإقليمية الشاملة لضمان فوز الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
واختتم حسن نافعة حديثه لـ”القصة” مؤكداً أن إيران أصبحت الفاعل الأكثر قدرة على إدارة الصراع بأسلوب قد يطيح بالمستقبل السياسي لنتنياهو في الانتخابات القادمة، ويحول ترامب إلى “بطة عرجاء” في البيت الأبيض عقب انتخابات التجديد النصفي الأميركية.