مع اتساع نطاق المواجهات العسكرية في الحرب الروسية الأوكرانية واقتراب أصدائها من الحدود الشرقية لحلف شمال الأطلسي الناتو، تتصاعد التساؤلات والمخاوف الدولية حول مدى الاقتراب من سيناريو الصدام المباشر بين موسكو والحلف، خاصة مع تكرار حوادث سقوط المسيرات وسقوط شظايا الصواريخ بالقرب من أو داخل أراضي بعض الدول الأعضاء.
ويرى خبراء ومحللون استراتيجيون أن المشهد الحالي لا يمثل إعلاناً ببدء حرب مباشرة بين روسيا والناتو، بل يندرج ضمن أطر “اختبار حدود الردع” وحرب الرسائل السياسية، مشيرين في الوقت ذاته إلى أن “الخطأ الحسابي” أو الانحراف الفني للصواريخ والمسيرات يمثل الشرارة الأكثر خطورة التي قد تدفع المنطقة إلى مواجهة الشاملة.
“القصة” يفتح ملف الحدود الاستراتيجية للصراع ومحاذير المادتين (4) و(5) من معاهدة الناتو.
سيناريو المواجهة المباشرة مستبعد حالياً
قال الدكتور رامي زهدي، نائب رئيس مركز العرب للأبحاث والدراسات الاستراتيجية، في حديثه لـ”القصة”، إن القول بدخول الناتو دائرة الاستهداف الروسي المباشر هو أمر غير دقيق حتى الآن، موضحاً أن حسم هذا الأمر يتوقف حكراً على نتائج التحقيقات الرسمية وتحديد طبيعة الهدف الذي تعرض للهجوم.
وأوضح زهدي أنه حتى في حال وقوع ضربات داخل أراضي دولة عضو في الحلف، فإن ذلك يمثل تطوراً بالغ الحساسية لكنه لا يعني تلقائياً التعمد الروسي، مشدداً على ضرورة التمييز بين الاستهداف المقصود وبين أخطاء التوجيه وانحراف مسار الصواريخ أو المسيرات.
وأشار نائب رئيس مركز العرب للأبحاث إلى التكييف الاستراتيجي والأنصبة القانونية للحادث في النقاط التالية:
طبيعة المنشأة المستهدفة، إذا ثبت استهداف منشأة تابعة مباشرة للناتو فإن الأمر يأخذ بعداً خطيراً، أما إذا كانت المنشآت تُستخدم لدعم أوكرانيا فقط دون أن تكون جزءاً من البنية المباشرة للحلف، فإن التوصيف السياسي والقانوني يظل أكثر تعقيداً.
وأكد زهدي أن موسكو تمارس منذ فترة سياسة اختبار حدود رد الفعل الغربي، لكنها تدرك في الوقت ذاته أن تجاوز الخطوط الحمراء سيعود بمواجهة واسعة لا تصب في مصلحة أحد.
تفعيل المادتين (4) و(5)
أوضح أنه في حال إثبات التعمد بشكل قاطع، فقد تتجه دول الناتو إلى مشاورات عاجلة بموجب المادة الرابعة، مع إمكانية مناقشة المادة الخامسة (الدفاع الجماعي)، مشدداً على أن تفعيل المادة الخامسة هو قرار سياسي جماعي وليس إجراءً آلياً.
واختتم الدكتور رامي زهدي حديثه لـ”القصة” مؤكداً أن الحادثة لا تدل حتى اللحظة على تحول الحرب الأوكرانية إلى مواجهة مباشرة بين موسكو والناتو نظراً لحرص كافة الأطراف على تجنب الانزلاق لصدام مباشر بين القوى الكبرى.
الخط الفاصل بين الردع والاشتباك هش والخطر في “الخطأ القاتل”
من جانبه، قال الخبير العسكري العميد سمير راغب “للقصة”، إن ما يجري ميدانياً يندرج في إطار صراع الردع ومحاولة كل طرف اختبار الحدود والأعصاب للطرف الآخر، مؤكداً أن حلف الناتو لم يدخل فعلياً دائرة الحرب المباشرة مع روسيا حتى الآن.
وأكد راغب أن الخطر الحقيقي والفعلي يبدأ عندما تتحول الضربات إلى استهداف متعمد ومباشر لأراضي دولة عضو في الحلف، خاصة إذا نتج عنها خسائر بشرية أو أضرار بالغة في البنية التحتية، مما يضع قادة الناتو تحت ضغوط سياسية وشعبية لا مفر منها للرد العسكري.
وأضاف الخبير العسكري، أبعاد القراءة الميدانية والتكتيكية للمواجهة، أوضح أن استخدام الصواريخ بعيدة المدى والمسيرات يزيد من احتمالات الخطأ وانحراف الأهداف، لا سيما مع القرب الجغرافي للبنية اللوجستية الداعمة لأوكرانيا من حدود دول الحلف.
وأكد أن روسيا تدرك الكلفة الهائلة للمواجهة الشاملة، ولذلك تعتمد استراتيجيتها على الردع والضغط النفسي والسياسي لإجبار الحلف على إعادة حساباته بشأن حجم دعمه لكييف، كما شدد راغب على أن المادة الخامسة لا تعني دخول جميع دول الحلف الحرب بالطريقة نفسها وبشكل آلي، بل تفرض مبدأ “الدفاع الجماعي” مع ترك طبيعة الرد ووسائله لقرار سياسي سادي ومستقل للدول الأعضاء.
واختتم العميد سمير راغب حديثه محيطاً ومحذراً من أن أخطر سيناريو لا يتمثل في قرار روسي واعي ببدء حرب مع الناتو، بل في وقوع “ضربة غير مقصودة” تسفر عن ضحايا داخل دولة عضو، مما يطلق سلسلة من ردود الفعل المتصاعدة التي يصعب التحكم فيها أو السيطرة على مآلاتها.