تشهد العلاقات داخل حلف شمال الأطلسي «الناتو» حالة من الجدل في ظل تباين مواقف عدد من الدول الأعضاء تجاه الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وهو ما أثار تساؤلات حول حدود استقلالية القرار السياسي داخل الحلف، وما إذا كانت هذه الخلافات قد تؤثر على تماسكه أو تعيد تشكيل تحالفاته.
وفي هذا السياق، تتزايد التساؤلات بشأن مدى التزام الدول الأعضاء بمواقف موحدة في القضايا الدولية التي تقع خارج نطاق الدفاع الجماعي، وحدود تأثير الخلافات السياسية على مستقبل الحلف ودوره في إدارة الأزمات الدولية.
هل الخلاف مع واشنطن يمثل خرقا لالتزامات الناتو؟
وفي هذا السياق، أوضح السفير رخا أحمد، مساعد وزير الخارجية الأسبق، لـ«القصة»، أن دعم دولة عضو لموقف يختلف مع التوجه الأمريكي لا يعد مخالفة تلقائية لالتزاماتها داخل الحلف، ما لم يكن ذلك مرتبطا بقضايا الدفاع الجماعي.
وأضاف أن اعتراض عدد من الدول الأوروبية على الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران استند إلى اعتبارات موضوعية، إذ رأت تلك الدول أن المفاوضات كانت لا تزال قائمة، ولم تكن هناك مبررات كافية للجوء إلى الخيار العسكري.
الحرب على إيران خارج إطار مهام الحلف
وأشار السفير رخا أحمد إلى أن حلف «الناتو» يتحرك عندما يكون هناك تهديد مباشر أو محتمل لأحد أعضائه، وهو ما لم يتحقق في حالة الحرب على إيران، ولذلك أعلنت غالبية دول الحلف، بما في ذلك بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، عدم مشاركتها في العمليات العسكرية، معتبرة أن الحرب ذات طبيعة محدودة ولن تحقق نتائج إيجابية، بل ستؤدي إلى زيادة التوتر في منطقة الخليج والإضرار بالاستقرار الإقليمي والدولي.
واشنطن لا تستطيع الاستغناء عن الناتو
وأكد رخا أن التصريحات التي تصدر أحيانا عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد تعكس تباينات سياسية، إلا أن الواقع العملي يفرض استمرار الولايات المتحدة داخل حلف «الناتو»، باعتباره الإطار الأمني الأهم الذي يضم معظم الدول الأوروبية، ويؤدي دورا رئيسيا في مواجهة التحديات الأمنية، وفي مقدمتها التهديدات الروسية.
وأضاف أن محاولات إنشاء قوة دفاع أوروبية مستقلة طُرحت منذ تسعينيات القرن الماضي، لكنها لم تنجح بسبب تباين مواقف الدول الأوروبية ومخاوفها من هيمنة بعض الدول الكبرى على تلك القوة.
هل تهدد الأزمة الحالية تماسك الحلف؟
واختتم السفير رخا أحمد بالتأكيد على أن الأزمة الحالية لم تؤد إلى إعادة تشكيل التحالفات داخل «الناتو»، موضحا أن الحلف لا يزال يحافظ على تماسكه رغم وجود تباينات في وجهات النظر.
كما أشار إلى أن قمة «الناتو» الأخيرة عكست توافقا بين الدول الأعضاء على تعزيز الإنفاق الدفاعي ودعم قدرات الحلف العسكرية، وهو ما يؤكد استمرار الالتزام الجماعي بأمن الحلف واستقراره، رغم استمرار الخلافات السياسية حول بعض الملفات الدولية.
الحرب كشفت انقسامات داخل الحلف
ومن جانبه، قال الدكتور طارق البرديسي، أستاذ العلوم السياسية، لـ«القصة»، إن الحرب الأمريكية على إيران ألقت بظلالها على تماسك حلف «الناتو»، موضحا أن الحلف لم يعد يتمتع بنفس درجة التوافق التي ميزته في السابق، في ظل تباين الرؤى بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية، خاصة فيما يتعلق بتحمل النفقات العسكرية والمشاركة في العمليات الخارجية.
خلافات حول تقاسم الأعباء
وأضاف البرديسي أن واشنطن تسعى إلى تحميل الدول الأوروبية جانبا أكبر من الأعباء المالية والدفاعية، بينما ترفض بعض العواصم الأوروبية الانخراط في الحرب ضد إيران أو زيادة الإنفاق العسكري بالشكل الذي تطالب به الولايات المتحدة، وهو ما يعكس وجود اختلافات سياسية واستراتيجية داخل الحلف.
مقارنة تاريخية بأزمة السويس
وأشار البرديسي إلى أن المشهد الحالي يذكر بما حدث عقب العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، عندما تراجع النفوذ البريطاني والفرنسي على الساحة الدولية، وصعدت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي كقوتين رئيسيتين، واعتبر أن الحرب مع إيران قد تمثل نقطة تحول مشابهة في موازين القوى والتحالفات الدولية.
مستقبل الناتو مرهون بتطورات الأزمة
وأكد الدكتور طارق البرديسي أن الخلافات الحالية تمثل تحديا حقيقيا لتماسك الحلف، إلا أن مستقبل «الناتو» سيظل مرتبطا بتطورات الأزمة مع إيران، موضحا أنه إذا استمرت طهران في اتخاذ خطوات من شأنها تهديد حركة الملاحة أو التأثير على الاقتصاد العالمي، فقد تتغير مواقف بعض الدول الأوروبية بما يعزز وحدة الحلف في مواجهة تلك التحديات.