لم يعد سعر طن الحديد مجرد رقم يتابعه المقاول أو صاحب المصنع؛ فكل زيادة في تكلفة إنتاجه تجد طريقها، بدرجات مختلفة، إلى سوق العقارات، حيث تتقاطع كلفة البناء مع قدرة المواطنين على الشراء، وهوامش أرباح المطورين، وأسعار الإيجارات.
في سوق يواجه بالفعل ضغوطًا من ارتفاع تكاليف الطاقة ومدخلات الإنتاج والاستيراد، تجد مصانع الحديد نفسها أمام معادلة صعبة: الحفاظ على استمرار خطوط الإنتاج رغم ارتفاع التكلفة، أو تحريك الأسعار بما يتناسب مع الأعباء الفعلية.
وفي الجهة الأخرى، لا تتوقف آثار زيادة أسعار الحديد عند حدود المصانع. فارتفاع تكلفة البناء يضع المطورين أمام تكاليف أعلى، بينما يواجه المشترون سوقًا ترتفع فيه أسعار الوحدات في الوقت الذي تتراجع فيه قدرتهم على تحمل زيادات جديدة.
وبين الطرفين، تبرز أسئلة عن حجم الزيادة التي يمكن أن تنتقل فعلًا إلى سعر العقار، وما إذا كان ارتفاع الحديد وحده كافيًا لتفسير زيادة الأسعار، أم أن هناك عوامل أخرى تتداخل في تحديد السعر النهائي للوحدة.
التضخم ومدخلات الإنتاج
وفقًا للبيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، سجل معدل التضخم السنوي نحو 12.7% بنهاية أغسطس 2026، وهو مؤشر تنعكس تحركاته على أسعار خامات الإنتاج وتكاليف النقل وتشغيل مصانع الحديد والصلب.
كما أظهرت أحدث بيانات التجارة الخارجية الصادرة عن الجهاز تباينًا في قيم واردات مستلزمات الإنتاج والمواد الخام، التي تمثل أحد المحددات الأساسية لتكاليف التصنيع المحلي، وتتأثر بالمتغيرات العالمية وسعر الصرف.
وتوثق النشرات الإحصائية الدورية للجهاز التغيرات الشهرية والسنوية في أسعار مواد البناء الأساسية، وفي مقدمتها الحديد والأسمنت، باعتبارها من المدخلات التي تحظى بمتابعة مستمرة لما لها من تأثير على تكاليف التشييد والمشروعات العمرانية.
المصانع تحملت الزيادة
يقول المهندس محمد حنفي، مدير غرفة الصناعات المعدنية باتحاد الصناعات، إن أسعار الحديد ظلت مستقرة وثابتة تقريبًا طوال الأشهر الستة الماضية، رغم التقلبات الحادة والمتواصلة في مدخلات الإنتاج الرئيسية.
ويكشف حنفي أن هذا الاستقرار جاء نتيجة تحمل المصانع زيادات متتالية في أسعار الطاقة والتكاليف اللوجستية وسعر الصرف وأجور العمالة، مشيرًا إلى أن استمرار هذه الضغوط لفترة طويلة دفع الشركات إلى إعادة حساب تكلفة الإنتاج بدقة، لتجنب خطر توقف خطوط الإنتاج.
وبحسب حنفي، فإن تحريك الأسعار أصبح ضرورة تعكس التكلفة الفعلية للإنتاج، مؤكدًا أن الزيادة لا تستهدف المغالاة، وإنما الحفاظ على قدرة المصانع على الاستمرار في العمل.
لماذا تتحرك الأسعار معًا؟
وفي تصريحات خاصة لـ«القصة»، أوضح حنفي أن تزامن إعلان الشركات أسعارها الجديدة لا يعود إلى تنسيق بينها أو اتباع بعضها بعضًا، وإنما إلى التزام مؤسسي بقرار وزاري ملزم ينص على إعلان شركات الحديد أسعارها خلال الأيام الأولى من كل شهر تقويمي.
وشدد على أن توحيد توقيت الإعلان يعكس خضوع الشركات العاملة للقواعد والضوابط الحكومية نفسها، وليس دليلًا على وجود تنسيق لاحتكار السوق أو توجيه الأسعار من جهة واحدة.
ألف جنيه لا تعني ألف جنيه في الشقة
يرى حنفي أن تأثير الحديد على التكلفة الإجمالية للبناء يظل محدودًا، موضحًا أن الحديد لا يمثل سوى نسبة لا تتجاوز 9% من إجمالي تكاليف البناء والتشييد.
وضرب مثالًا بارتفاع سعر طن الحديد من 40 ألف جنيه إلى 41 ألفًا، أي زيادة قدرها ألف جنيه تعادل 2.5% من سعر الطن.
وبحسب حساباته، فإن انعكاس هذه الزيادة على إجمالي تكلفة البناء يُقاس بضرب نسبة مساهمة الحديد في التكلفة، البالغة 9%، في نسبة الزيادة البالغة 2.5%، لتكون النتيجة نحو 0.225% من إجمالي تكلفة البناء.
ويستند حنفي إلى هذه النسبة للتأكيد على أن زيادة سعر الحديد لا تبرر وحدها تعطيل الاستثمار العقاري أو تحميلها كامل الزيادة التي قد يشهدها سعر العقار.
من المصنع إلى المستهلك
لكن حنفي يضع حدًا فاصلًا بين سعر الحديد الخارج من المصنع والسعر الذي يصل إلى المستهلك النهائي.
ويؤكد أن مصانع الحديد وغرفة الصناعات المعدنية لا علاقة لها بأي زيادات يفرضها بعض التجار أو الموزعين، مشيرًا إلى أن المصانع تبيع منتجاتها بأسعار معلنة ومعتمدة.
ودعا إلى تفعيل الرقابة التجارية على حلقات التداول، لمنع أي تلاعب بالأسعار خارج المصانع، باعتبار أن الفارق بين سعر المنتج عند خروجه من المصنع والسعر النهائي قد يرتبط بمراحل التوزيع والتداول.
حين يصبح الحديد جزءًا من سعر الشقة
من زاوية أخرى، يرى الخبير الاقتصادي رشاد عبده أن سعر أي سلعة يتحدد وفقًا لمدخلات إنتاجها، التي تشمل الخامات والطاقة ورأس المال وتكلفته، إلى جانب العنصر البشري القائم على إدارة العملية الإنتاجية.
ويقول عبده إن زيادة تكلفة أي عنصر من هذه العناصر تنعكس على المنتج النهائي، وبالتالي فإن ارتفاع سعر الحديد يؤدي، وفق رؤيته، إلى زيادة تكلفة العقارات.
ويربط عبده جانبًا من الارتفاعات التي شهدتها أسعار خامات البناء بتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، موضحًا أن روسيا وأوكرانيا كانتا تتمتعان بوفرة في إنتاج الحديد، وأن اضطراب وصول الإمدادات إلى الأسواق الأخرى انعكس على التضخم والأسعار.
المطور يرفع.. والقديم يلحق به
ولا يتوقف أثر زيادة التكلفة، بحسب عبده، عند المشروعات الجديدة. فالمطور الذي يبدأ بناء مشروع جديد يجد نفسه أمام تكلفة أعلى، وهو ما يدفعه إلى إعادة تسعير وحداته.
وفي الوقت نفسه، يرى عبده أن ملاك العقارات القائمة قد ينظرون إلى أسعار الوحدات الجديدة باعتبارها مرجعًا، فيعيدون هم أيضًا تسعير وحداتهم، لتتحرك الأسعار في السوق في اتجاه واحد.
لكن ارتفاع الأسعار لا يعني بالضرورة أن الجميع قادر على تحملها.
فبحسب عبده، فإن الشخص الذي لا يستطيع شراء وحدة سكنية قد يتجه إلى الإيجار، وهو ما يمكن أن يزيد الضغط على سوق الإيجارات، بينما تتأثر عملية التملك مباشرة بارتفاع تكلفة الإنتاج.
معادلة استرداد الأموال
يمتد أثر ارتفاع التكلفة، وفق رؤية عبده، إلى قرارات أصحاب المشروعات أنفسهم، الذين يحاولون استعادة الأموال التي أنفقوها خلال فترة زمنية أقصر.
ويشير إلى مفهوم «فترة الاسترداد» باعتباره أحد المعايير التي يُقيّم بها المشروع، أي المدة اللازمة لاستعادة الأموال التي جرى ضخها فيه.
ويقول إن صاحب المشروع يسعى إلى تقليل هذه الفترة قدر الإمكان، وهو ما قد يدفعه إلى زيادة الإيجارات بهدف رفع الإيرادات وتسريع استرداد رأس المال.
وهنا تتحول زيادة تكلفة البناء من رقم داخل حسابات المصنع إلى ضغط على سلسلة كاملة تبدأ بمدخلات الإنتاج، ثم تنتقل إلى المطور، وتصل في النهاية إلى الشخص الذي يبحث عن شقة للشراء أو الإيجار.
أين تقف المبادرات الحكومية؟
يرى عبده أن المبادرات التي تنفذها الدولة تتركز في المشروعات التابعة لها، وبالتالي لا تمتد بالقدر نفسه إلى القطاع الخاص الذي يمثل جانبًا رئيسيًا من السوق.
ويعتقد أن محدودية تدخل المبادرات في القطاع الخاص تجعل أثرها على المواطن أقل، لأن صاحب المشروع، بحسب رؤيته، يستهدف في الأساس تحقيق الربح واسترداد الأموال التي دفعها دون تحمل خسائر.
ويضع عبده موجة ارتفاع الأسعار الحالية في إطار أوسع، يضم التضخم وأسعار الطاقة والخامات العالمية، إلى جانب تكاليف تشغيل مصانع الحديد وتكلفة المستلزمات المستوردة.
ويضيف أن ارتفاع تكلفة المواد الخام لا يتوقف تأثيره عند القطاع الذي يستخدمها مباشرة، وإنما يمكن أن ينتقل إلى سلع وخدمات أخرى. ويضرب مثالًا بالبنزين، الذي يؤدي ارتفاع سعره إلى زيادة تكاليف النقل، ثم انتقال هذه الزيادة إلى مستلزمات الإنتاج ومتطلبات السوق الأخرى.
«الاقتصاد الحر» والرقابة
وينتقد عبده ما يصفه بفهم خاطئ لمفهوم «الاقتصاد الحر»، معتبرًا أن ترك السوق دون ضوابط كافية قد يؤدي إلى فوضى اقتصادية، بينما يرى أن المطلوب هو «الحرية الاقتصادية» المنضبطة.
ويختتم عبده حديثه بانتقاد تعامل الحكومة مع المستوردين ورجال الأعمال وغرف التجارة، مطالبًا بموقف أكثر حزمًا تجاه ما يعتبره استغلالًا للأزمات وتحقيق أرباح مبالغ فيها على حساب المواطن.
وهكذا لا تبدو قصة الحديد منفصلة عن أزمة السكن؛ فالطن يبدأ سعره من المصنع، لكن تأثيره لا ينتهي عند بوابة المصنع. بين تكلفة الطاقة والخامات، وسعر التوزيع، وحسابات المطور، وفترة استرداد رأس المال، تقف الشقة في النهاية أمام السؤال الأصعب: من سيدفع تكلفة الزيادة؟