دخلت المواجهة بين واشنطن وطهران مرحلة تفاوضية أكثر تعقيداً، بعدما أبلغت إيران المبعوث الأمريكي ستيف و يتكوف ثلاثة شروط لإعادة فتح مضيق هرمز، تشمل الرفع الفوري للحصار البحري، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وإنهاء الحرب على جميع جبهات ما تسميه طهران “محور المقاومة”.
وبذلك لا تضع طهران أزمة الملاحة في الخليج على طاولة التفاوض منفصلة عن بقية ملفات الصراع، بل تربط إعادة فتح المضيق بتسوية أوسع تمتد إلى العقوبات والأموال المجمدة والجبهات الإقليمية.
لكن هذه المعادلة تصطدم بسؤال آخر: ماذا تستطيع واشنطن أن تضمن لإيران إذا كانت بعض الملفات التي تربط طهران فتح هرمز بها تتعلق بأطراف لا تملك الإدارة الأمريكية السيطرة الكاملة على قراراتها؟
وتزداد صعوبة السؤال مع تمسك إسرائيل بحقها في اتخاذ قرار عسكري مستقل تجاه إيران إذ قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن بلاده سترد على أي هجوم إيراني “بشكل مستقل عن أي طرف آخر”، في تصريحات تعكس حدود قدرة أي تفاهم أمريكي–إيراني على فرض تهدئة شاملة على جميع أطراف الصراع.
فهل تمثل شروط طهران خريطة طريق قابلة للتفاوض لفتح مضيق هرمز، أم أنها سقف تفاوضي مرتفع يتجاوز قدرة واشنطن وطهران على ضمان تنفيذه في جميع الجبهات؟
البعد الإيراني.. شروط على طاولة تفاوض معقدة
قال علاء السعيد، الخبير في الشأن الإيراني، إن الشروط الإيرانية الجديدة لإعادة فتح مضيق هرمز لا ينبغي قراءتها باعتبارها شروطًا تفرضها طهران على الولايات المتحدة بقدر ما تعكس سقفًا تفاوضيًا مرتفعًا تحاول من خلاله تحسين موقعها في ظل تعقيدات المواجهة الحالية.
وأوضح السعيد لـ”القصة”، أن ربط إعادة فتح المضيق برفع الحصار البحري والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة وإنهاء الحرب على جميع جبهات ما تسميه طهران “المقاومة” يضع أمام المفاوض الأمريكي ملفات تتجاوز حدود العلاقة الثنائية بين واشنطن وطهران.
وأكد أن طرح المطالب شيء، والقدرة على تنفيذها جميعًا شيء آخر، موضحًا أن الشرط الأكثر تعقيدًا يتمثل في إنهاء الحرب على جميع الجبهات، لأنه يرتبط بأطراف وساحات لا تستطيع الولايات المتحدة وحدها التحكم في قراراتها.
وأضاف أن التوصل إلى تفاهم محدود بشأن مضيق هرمز يظل ممكنًا إذا اقتصر على ترتيبات الملاحة والحصار وبعض الملفات المالية والأمنية بين واشنطن وطهران، لكن الأمر يصبح أكثر تعقيدًا إذا ربطت إيران فتح المضيق بإنهاء المواجهة مع إسرائيل وبقية الجبهات الإقليمية.
وأشار السعيد إلى أن الولايات المتحدة تستطيع أن تقدم ضمانات تتعلق بما ستفعله هي، كما يمكنها ممارسة ضغوط سياسية على إسرائيل، لكنها لا تستطيع تقديم ضمان مطلق لإيران نيابة عن تل أبيب بألا تعود إلى العمل العسكري، خاصة إذا رأت إسرائيل أن لديها أسبابًا أمنية للتحرك.
ولفت إلى أن إدخال لبنان وغزة ضمن عبارة “جبهات المقاومة” يجعل المطالب الإيرانية أوسع من قدرة المفاوضين الأمريكي والإيراني وحدهما على تنفيذها؛ ففي لبنان توجد دولة ومؤسسات وقوى سياسية، إلى جانب ترتيبات أمنية وعسكرية معقدة، بينما تضم أزمة غزة أطرافًا فلسطينية وإسرائيلية و وسطاء إقليميين و دوليين.
وأوضح أن إيران تستطيع التفاوض بشأن ما يخصها مباشرة، كما تستطيع تقديم تعهدات تتعلق بسلوكها وعلاقاتها ودعمها للقوى المرتبطة بها، لكنها لا تستطيع قانونيًا أو سياسيًا أن تتحدث باسم الدولة اللبنانية، كما أن حزب الله ليس طرفًا مباشرًا في المفاوضات الأمريكية الإيرانية.
وأضاف أن علاقة إيران بالقوى التي تصفها طهران بـ”محور المقاومة” تمنحها نفوذًا، لكنها لا تعني بالضرورة أن كل هذه القوى تتحرك باعتبارها طرفًا واحدًا أو أنها ستوقف القتال بمجرد صدور قرار إيراني.
وأكد أن الاختبار الحقيقي سيبدأ عندما تنتقل المفاوضات من إعلان الشروط إلى مناقشة التفاصيل: ما الذي ستقدمه إيران مقابل وقف القتال؟ وما الذي تستطيع واشنطن أن تضمنه من الجانب الإسرائيلي؟ وما حدود التزامات كل طرف؟
وشدد السعيد على أن إيران تحتاج إلى مخرج من الأزمة، كما أن الولايات المتحدة لديها مصلحة في إعادة الاستقرار إلى الملاحة في مضيق هرمز، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة إمكانية الوصول إلى صفقة واحدة تغلق جميع ملفات الصراع.
واختتم بالتأكيد على أن التفاهم بشأن هرمز قد يكون أسهل من التوصل إلى اتفاق يشمل جميع جبهات الصراع، لأن واشنطن وطهران تستطيعان التفاوض مباشرة بشأن ما يخصهما، بينما تصبح الصورة أكثر تعقيدًا عندما يتعلق الأمر بقرارات إسرائيل أو الأطراف والقوى الموجودة في لبنان واليمن والعراق وغزة.
إسرائيل.. تفاهم واشنطن لا يلغي “حرية العمل”
وفي المقابل، قالت الدكتورة نهى بكر، خبيرة الشؤون الإسرائيلية، إن إسرائيل ستتعامل مع أي تفاهم أمريكي إيراني بشأن مضيق هرمز من زاوية مصالحها الأمنية، وليس باعتباره اتفاقًا ملزمًا لها تلقائيًا.
و أضافت بكر “للقصة” أن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بشأن الاستعداد لجولة جديدة مع إيران تعكس تمسك تل أبيب بما تسميه “حرية العمل” عسكريًا، حتى في حال وجود مسار تفاوضي تقوده الولايات المتحدة.
وكان كاتس قد أكد في تصريحات سابقة أن إسرائيل يجب أن تحتفظ بقدرتها على التحرك بشكل مستقل ضد إيران إذا رأت أن أمنها مهدد، كما أعلن في سبتمبر أن إسرائيل سترد على أي هجوم إيراني بصورة مستقلة.
وأوضحت بكر أن القضية لا تتعلق بمضيق هرمز وحده، وإنما بما يمكن أن يتضمنه أي اتفاق أمريكي إيراني بشأن البرنامج النووي الإيراني، والصواريخ والقدرات العسكرية، إلى جانب القوى الحليفة لطهران في المنطقة والجبهات المرتبطة بلبنان وغزة واليمن.
وأشارت إلى أن موقف إسرائيل من أي تفاهم سيعتمد بدرجة كبيرة على مضمونه، موضحة أن أي اتفاق ترى تل أبيب أنه يسمح لإيران بإعادة بناء قدراتها العسكرية أو النووية، أو يفرض قيودًا على قدرتها على التحرك لاحقًا، قد يواجه تحفظات إسرائيلية.
ولفتت إلى أن التحالف بين واشنطن وتل أبيب لا يعني بالضرورة تطابق حساباتهما في كل الملفات، مشيرة إلى أن مواقف الطرفين شهدت خلال العام الحالي اختلافات بشأن حدود التصعيد مع إيران، وهو ما ظهر في تصريحات إسرائيلية تحدثت عن رغبة تل أبيب في استهداف مواقع إيرانية، مقابل تحفظ أمريكي في بعض مراحل التصعيد.
وأضافت بكر أن السؤال الأساسي في المرحلة المقبلة لن يكون فقط: ماذا ستتفق عليه واشنطن وطهران؟ وإنما أيضًا: هل يستطيع أي اتفاق أمريكي إيراني استيعاب المطالب الأمنية الإسرائيلية، أم ستتمسك تل أبيب بحقها في اتخاذ قرار عسكري مستقل؟
وأكدت أن هذا السؤال يزداد أهمية مع استمرار إسرائيل في إعلان استعدادها للتعامل عسكريًا مع أي هجوم إيراني، وهو ما يجعل أي تسوية أمريكية إيرانية بحاجة إلى التعامل مع الموقف الإسرائيلي، خصوصًا في الملفات المرتبطة بالبرنامج النووي والقدرات العسكرية الإيرانية.
واختتمت بكر بالتأكيد على أن إعادة فتح مضيق هرمز قد تكون قابلة للتفاوض بين واشنطن وطهران، لكن تحويل هذا التفاهم إلى تهدئة إقليمية أوسع يظل مرتبطًا بمواقف الأطراف الأخرى، وفي مقدمتها إسرائيل، وبطبيعة الترتيبات التي يمكن التوصل إليها بشأن الملفات الأمنية والعسكرية محل الخلاف.