بينما تنشغل الأساطيل الدولية بمراقبة “عنق الزجاجة” في مضيقي هرمز وباب المندب، كانت قطارات صامتة تجري في قلب آسيا، ومرايا عملاقة تُنصب تحت شمس الشرق، لتعلن – وفق رؤية محللين – انكسار بعض قواعد اللعبة الجيوسياسية التقليدية.
نحن الآن في عام 2026، العام الذي يبدو فيه أن القوى الإقليمية باتت تعيد تعريف مفهوم “الأمان”، فلم يعد محصورًا في البحار المضطربة، بل امتد ليزحف فوق قضبان السكك الحديدية ويُخزن في منظومات الطاقة الوطنية.
إنها قصة صراع بين ذكاء الالتفاف الجيوسياسي وطموح الاستقلال الطاقي.. فهل نشهد بالفعل نهاية عصر الارتهان للممرات المائية؟
إيران 2026.. التحول نحو “المسارات البرية”
يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور إبراهيم جلال فضلون لـ”القصة” أن عام 2026 يمثل نقطة تحول في استراتيجية إيران، مع تعزيز ما يُعرف بـ”التوجه شرقًا عبر اليابسة”، حيث ارتفعت نسبة من صادرات النفط المنقولة برًا إلى نحو 26%، في إطار مساعٍ لتقليل الاعتماد على الممرات البحرية.
ويوضح أن هذا التحول يعكس ضرورة جيوسياسية بقدر ما هو خيار اقتصادي، بهدف تقليل التعرض للمخاطر في الممرات البحرية الحساسة، وتأمين استمرارية الإمدادات.
ويشير فضلون إلى أن هذا التوسع في النقل البري أسهم في نمو ملحوظ في قطاع السكك الحديدية، رغم ارتفاع تكاليفه مقارنة بالشحن البحري، إذ تتراوح الزيادة بين 12 و18 دولارًا للبرميل. ومع ذلك، تُعوّض إيران هذه التكلفة عبر تعزيز أمن الإمدادات وتوسيع الوصول إلى أسواق آسيوية، خاصة المصافي الصغيرة.
الصين.. المهندس اللوجستي للتحول
بحسب فضلون، لا تقتصر هذه المنظومة على كونها مسارًا تجاريًا، بل هي جزء من شبكة لوجستية تدعمها الصين، التي ساهمت في تطوير البنية التحتية للسكك الحديدية الإيرانية، إلى جانب استخدام آليات تسوية مالية بديلة.
ويؤدي هذا التحول إلى إعادة تشكيل أنماط التجارة التقليدية، عبر تقليل الاعتماد على الممرات البحرية في بعض تدفقات الطاقة.
مخطط “خميسة”.. رؤية للسيادة الطاقية في مصر
على الجانب الآخر، يتحدث خبير الطاقة العالمي الدكتور هاني النقراشي عن ما يُعرف بـ”مخطط خميسة”، الذي يهدف إلى تعزيز الاعتماد على الطاقة الشمسية عبر محطات حرارية تركّز الإشعاع الشمسي باستخدام مرايا، لرفع درجات الحرارة إلى مستويات تمكّن من تشغيل المحطات بكفاءة عالية، مع الاعتماد على أنظمة تخزين حراري تتيح التشغيل المستمر.
التمويل الذاتي وتقليل الاستيراد
يشير النقراشي إلى أن المشروع يستهدف تقليل الاعتماد على الوقود المستورد تدريجيًا، بما قد يحقق وفرًا اقتصاديًا كبيرًا على المدى الطويل، مؤكدًا أن النموذج المقترح يعتمد على إعادة استثمار الوفورات الناتجة عن كل مرحلة في تمويل المراحل التالية.
ويشدد على أهمية أن يكون المشروع قائمًا على إدارة وطنية مباشرة، بما يعزز من مفهوم “السيادة في قطاع الطاقة” ويقلل من الاعتماد على التمويل أو التشغيل الخارجي.